لماذا لا تكفي القوانين وحدها لبناء بيئة عمل صحية؟
تلعب القوانين واللوائح دورًا أساسيًا في تنظيم العمل وحماية الحقوق، وهي الإطار الذي يضمن العدالة ويحدّ من الفوضى داخل المؤسسات. ومع ذلك، ورغم أهميتها، لا تستطيع القوانين وحدها أن تصنع بيئة عمل صحية. فالصحة الحقيقية لبيئة العمل لا تُقاس فقط بما هو مكتوب في السياسات، بل بما يُمارَس يوميًا بين الأفراد.
من خلال تجربتي العملية، مررت بمواقف كانت فيها الإجراءات مطبَّقة بشكل كامل وصحيح، ومع ذلك كان الجو العام في العمل مشحونًا بالتوتر. أتذكر موقفًا كان فيه قرار إداري نظامي تمامًا، لكن طريقة إبلاغه للموظفين كانت جافة ومختصرة. لاحقًا، تبيّن أن أغلب الاستياء لم يكن من القرار نفسه، بل من غياب الشرح والحوار، ومن الشعور بأن المشاعر لم تكن ضمن الحسابات.
القانون يحدّد ما هو مسموح وما هو ممنوع، لكنه لا يعلّم الاحترام، ولا يزرع الثقة، ولا يخلق شعور الانتماء. قد تلتزم المؤسسة بجميع اللوائح الرسمية، ومع ذلك يشعر الموظفون بالضغط أو بعدم التقدير. هنا يتضح الفرق بين بيئة عمل نظامية وبيئة عمل صحية.
بيئة العمل الصحية تُبنى على التواصل الواضح قبل أن تُبنى على النصوص. الموظف يحتاج أن يفهم القرار، لا أن يُبلّغ به فقط. يحتاج أن يشعر أن صوته مسموع، حتى إن لم تُلبَّ جميع مطالبه. في إحدى التجارب، لاحظت كيف تغيّر تقبّل الموظفين لإجراء معيّن بمجرد تخصيص وقت للاستماع لأسئلتهم وشرح الخلفية وراء القرار.
كما أن العدالة لا تتحقق دائمًا بالتطبيق الحرفي للقانون، بل بالتطبيق الواعي له. فالمواقف الإنسانية تختلف، والظروف ليست متشابهة دائمًا. عندما يُطبَّق النظام دون مراعاة السياق، قد يشعر الموظف بالظلم حتى وإن كان القرار قانونيًا. وهنا يظهر دور الموارد البشرية في قراءة التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في النصوص.
الثقافة المؤسسية عامل لا يمكن للقوانين أن تصنعه وحدها. الاحترام المتبادل، أسلوب القيادة، وطريقة التعامل مع الأخطاء، كلها ممارسات يومية. من خلال التجربة، يتبيّن أن المؤسسات التي تهتم بهذه التفاصيل، حتى مع وجود نظام صارم، تكون أكثر استقرارًا وأقل توترًا.
في النهاية، القوانين هي الأساس، لكنها ليست كل شيء. بناء بيئة عمل صحية يتطلب وعيًا، تواصلًا، وثقافة تحترم الإنسان بقدر ما تحترم النظام. وعندما تُدار اللوائح بروح إنسانية، يتحول العمل من مساحة ضغط إلى مساحة نمو، ويصبح الالتزام نابعًا من القناعة لا من الخوف.
الخاتمة والتوقيع:
إن القوانين تمثّل الأساس الذي تقوم عليه بيئات العمل، لكنها لا تكتمل دون وعي إنساني يُحسن تطبيقها ويقرأ ما وراء النصوص. فبيئة العمل الصحية تُبنى عندما يلتقي النظام مع الاحترام، وتتحول اللوائح إلى أدوات تنظيم لا مصادر ضغط، ويصبح الإنسان محور كل قرار مهني.
—
Humind Afraa

تعليقات
إرسال تعليق