بين اللوائح والمشاعر: أين تقف الموارد البشرية؟

 


تقف الموارد البشرية في موقع دقيق وحسّاس داخل أي مؤسسة، فهي الجهة التي تُطالب بتطبيق اللوائح والأنظمة من جهة، ومراعاة المشاعر الإنسانية للموظفين من جهة أخرى. هذا التوازن ليس سهلًا، وغالبًا ما يُساء فهم دور الموارد البشرية عندما يُختزل في كونه دورًا إداريًا بحتًا.


من خلال تجربتي العملية، واجهت مواقف كان فيها القرار واضحًا من الناحية النظامية، لكنه ثقيل من الناحية الإنسانية. أتذكر موقفًا اضطررت فيه إلى شرح إجراء إداري لموظف كان يشعر بأن القرار موجّه ضده شخصيًا. لم يكن الخلل في اللائحة، بل في شعوره بعدم الفهم والإنصاف. وعندما أُتيح له وقت للشرح والاستماع، تغيّر موقفه بالكامل، رغم أن الإجراء لم يتغير.


اللوائح وُجدت لتنظيم العمل، ضمان العدالة، وحماية المؤسسة والموظف معًا. لكنها في الوقت ذاته نصوص جامدة لا ترى الظروف ولا تسمع التفاصيل. وهنا يظهر دور الموارد البشرية الحقيقي: ليس في تطبيق اللوائح فقط، بل في فهم السياق الذي تُطبّق فيه. فالقانون دون وعي قد يتحول إلى أداة ضغط، بينما الوعي دون نظام قد يفتح باب الفوضى.


في الواقع العملي، كثير من القرارات التي تمر عبر الموارد البشرية تكون صحيحة من حيث الإجراء، لكنها حسّاسة من حيث الأثر. قرار إنذار، خصم، أو حتى إنهاء خدمة، قد يكون نظاميًا بالكامل، لكنه يترك أثرًا نفسيًا عميقًا إذا قُدِّم بأسلوب جاف أو غير واضح. هنا لا يكون السؤال: هل القرار صحيح؟ بل: كيف قُدِّم؟ وكيف فُسِّر؟


تعلمت مع الوقت أن الموارد البشرية ليست جهة عاطفية، لكنها أيضًا ليست جهة باردة. هي مساحة وسطى، تحاول أن تشرح النظام بلغة إنسانية، وأن تنقل مشاعر الموظفين للإدارة بلغة مهنية. هذا الدور الوسيط يتطلب وعيًا عاليًا، مهارات تواصل، وقدرة حقيقية على الإصغاء دون انحياز.


من أكبر التحديات التي تواجه الموارد البشرية هو التعامل مع التوقعات غير الواقعية. فبعض الموظفين يتوقعون أن تكون الموارد البشرية في صفهم دائمًا، بينما تتوقع بعض الإدارات أن تكون أداة تنفيذ بلا نقاش. والحقيقة التي تتضح مع التجربة هي أن الموارد البشرية الناجحة لا تقف ضد أحد، بل تقف مع العدالة، ومع المصلحة العامة طويلة المدى.


عندما تُدار الموارد البشرية بوعي، تصبح اللوائح وسيلة للحماية لا للتهديد، وتتحول المشاعر من عبء إلى مؤشر مهم على صحة بيئة العمل. الموظف الذي يشعر بأن هناك من يشرح له القرار، يسمعه، ويحترم مشاعره، حتى وإن لم تتغير النتيجة، يكون أكثر تقبّلًا وأكثر استعدادًا للاستمرار بإيجابية.


في النهاية، الموارد البشرية لا تقف عند اللوائح وحدها، ولا تنجرف مع المشاعر وحدها، بل تقف في المساحة الأصعب: مساحة التوازن. هناك حيث يُطبَّق النظام بعدل، وتُحترم الإنسانية بوعي، ويُبنى العمل على أسس مهنية لا تُلغي الإنسان، ولا تهمّش النظام.


خاتمة توقيع:


هذا الطرح يعكس فهمًا مهنيًا لدور الموارد البشرية كحلقة وصل بين النظام والإنسان، ويؤكد أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بتطبيق اللوائح فقط، بل بوعي إنساني يُحسن قراءة المواقف ويوازن بين العدالة والمشاعر داخل بيئة العمل.

                                                                                                                                     
                                                                                                                                   
                                                                                                                                      Humind Afraa

تعليقات

  1. مع الاسف غياب المفهوم الحقيقي لهذه المهنه في كثير من الشركات ما يسبب كثير من الاخطاء والمشاكل التي يقع فيها الشركات او الافراد احسنت النشر

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الموارد البشرية ليست وظيفة… بل مسؤولية إنسانية

مهنة PRO في الإمارات: المهام، المسؤوليات، وأهمية الامتثال الإداري